تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٥ - سورة يس(٣٦) آية ٩
لان المستكبر عند استكباره يكون رافعا رأسه، لاويا عنقه، شامخا بأنفه، لا ينظر الى الأرض.
و انما أضاف الجعل الى نفسه اما لان عند تلاوة النبي صلى اللّه عليه و آله القرآن عليهم و دعوته إياهم صاروا بهذه الصفة فهو مثل قوله: «حتى أنسوكم ذكرى» [٢٣/ ١١٠] و اما لان الموجد لهذه النفس الشقية الجاهلة التي كفرت بأنعم اللّه انما خلقها لأجل تعمير هذه الدنيا الفانية و استخدامها لأمور حيوانية، و هو مما يستتبع لاوصاف و أخلاق ذميمة و هيئات رديئة ينشأ منها هذه الحالات عند سماع الآيات، لأنها ما خلقت لأجل السعادة الاخروية، بل خلقت لاشياء اخر لو لم تكن هي لوقع الضرر في أشياء شريفة روعي جانبها و لفتها (لمها- ن) فافهم.
[سورة يس (٣٦): آية ٩]
وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩)
هذا تمثيل لحالهم بحسب ما يوجبه الأسباب و العلل الخارجية، كما ان الاول تمثيل لحالهم بحسب ما يؤدي اليه المبادي و الهيئات الداخلية، اى فمن هذه صفتهم في اعراضهم عن الحق و تمردهم عن قبول الايمان و الهداية و سلوك الصراط المستقيم، فقد حل فيهم غضب اللّه عليهم و خذلانه إياهم، فكأنه قال تركناهم مخذولين و طردناهم ملعونين بأسباب تدعوهم الى طريق الشر و الخذلان و الطرد، إذ سد عليهم جوانبهم عن الوصول الى دار النعيم، و ضيق عليهم الطريق الا الى الجحيم، لأنهم أشقياء مردودون الى أسفل السافلين، مقهورون بالقهر الإلهي لا ينجع فيهم الانذار، و لا سبيل الى خلاصهم من النار كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [١٠/ ٣٣] وَ كَذلِكَ حَقَّتْ